الخميس، 5 أبريل 2007

رحم الله ناصر المسند الرجل الرمز

الدكتور علي خليفة الكواري : الرايه القطريه



رحم الله الأخ الكبير والقدوة الوطنية ناصر المسند وأسكنه الله فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وكل من يعزه ويعز عليه وأهل قطر الكرام كافة، الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون. لقد كان الرجل رمزاً وطنياً ووجهاً مشرفاً من وجوه المعارضة الشعبية من أجل المساواة والكرامة وبناء دولة عصرية في قطر.

تكبد ناصر بسبب دفاعه عن حقوق أهل قطر التضييق والسجن واضطر الي الهجرة عام 1964 الي الكويت يصحبه حوالي خٌمس أهل قطر، تعبيراً عن مكانة الرجل ومستوي التضامن مع ما يمثله من معارضة ومطالبة.


ومن حق الرجل علينا بعد أن أدينا العزاء رجالاً ونساء بما يليق به، أن نذكر بعض ما نعرفه عن ناصر ودوره الرائد والفعّال في الدفاع عن حقوق أهل قطر وكرامتهم.

في عام 1958 التقيت أنا و زملائي طلاب قطر في القاهرة بناصر لأول مره. وكان يصحبه في الزيارة المرحومان عبد العزيز بن عبد الله المهندي ويوسف بن راشد المهندي علي ما أذكر، واستمعت منه في ذلك الوقت المبكر الي دعوتة لكبار أهل قطر ومنهم والده وخليفة بن ناصر (طوار) وآخرين لا أذكرهم، لأن يقوموا بواجبهم وأن يفاتحوا الحاكم ويصارحونه مطالبين بحقوق أهل قطر والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات عامة وفي الانتفاع من عائدات النفط علي وجه الخصوص. كما يطالبون الحاكم بتطبيق اصلاحات اقتصادية واجتماعية والمساواة أمام المحاكم وفي القانون ووقف خطر الهجرة وضبط عملية التجنيس, أسوةً بما حققته حكومة الكويت وما تقدمه لمواطنيها في ذلك الوقت من رعاية وحماية وخدمات اجتماعية ومساواة أمام القانون والمحاكم.

ومنذ ذلك الوقت استمر ناصر وعدد من رجالات قطر الكرام يدعون للاصلاح ويتضامنون مع الحركة العمالية والطلابية برغم كونهم من الأعيان ومن التجار والمقاولين الكبار. وقد تحقق بشكل- مباشر وغير مباشر - استجابة لمطالبهم الكثير من الاصلاح التشريعي، وقدمت خدمات اجتماعية من تعليم وصحة واسكان ومساعدات اجتماعية علي نمط الكويت. كما أنشأت بلدية قطر, وطبق قانون المرور علي الجميع وتم تفعيل غرفة التجارة حيث عين ناصر المسند وعدد من رجالات قطر في مجلس ادارة الغرفة، وكان هناك اتجاه لانتخاب مجلس بلدي وإقامة مجلس شوري. وتحقق للحركة العمالية الكثير من مطالبها فصدر قانون العمل وأقيمت ادارة العمل ومحكمة العمل, وتم الاعتراف باللجان العماليه للعاملين في شركات البترول.


وقد بلغت حركة المطالبة الشعبية أوجها في أبريل - نيسان 1963 م علي أثر اطلاق الرصاص علي مظاهرة مؤيده للوحدة الثلاثية (20-4-1963) وذلك عندما عم الاضراب العام وقدمت عريضة شعبية بمطالب أهل قطر، تصدرها توقيع كل من حمد العطيه وناصر المسند رحمهما الله وعدد كبير من رجالات قطر الكرام الذين لا يتسع المقام لذكر أسمائهم.


من المفارقات التي تستحق الذكر وتوجب العبرة، أن حكومة قطر قامت باعتقال الموقعين علي عريضة الاصلاح وعلي رأسهم حمد العطيه و ناصر المسند وأتبعتهم بسجن وابعاد كل من أيدهم حتي بلغوا حوالي خمسين شخصيه من الوجهاء والتجار خلال النصف الثاني من أبريل - نيسان 1963م. هذا بالاضافة الي فصل عدد من العمال والطلاب والشباب عامة.

وفي نفس الوقت بتاريخ 28-4-1963 أذاع الحاكم بياناً علي الشعب القطري ذكر فيه " أن الوقت قد حان لبدء الخطوات التنظيمية لمناهج العمل الشامل... لاقامة صرح... المجتمع الرفيع... مجتمع العدالة والمساواة والنظام والانتاج ". وبعد شهر منه في 27-5-1963م أصدر الحاكم بياناً ايضاحياً لمناهج العمل الشامل لتقدم البلاد، نشر في الجريدة الرسمية العدد (3 ) بتاريخ 3-6-1963م ( انظر أيضا: ادارة الشئون القانونية، مجموعة قوانين قطر حتي عام 1966، ص 614- 619).

والمفارقة هنا أنه بينما تزايد عدد المعتقلين وبدأ الابعاد والفصل للمطالبين بالاصلاح، جاء البيان الايضاحي رداً مباشراً علي عريضة المطالب الشعبية التي كان علي رأس الموقعين عليها ناصر المسند وحمد العطيه. بل ان البيان الايضاحي قد لخص في وعوده مطالب أهل قطر منذ مطلع الخمسينيات حتي عام 1963م. فقد أكد البيان في مطلعه علي أنه " منذ أتيحت لنا الامكانيات الماديه بفضل دخل الزيت، قد حققنا فعلاً صوراً من المساواة بين المواطنين وأنماطاً من العدالة الاجتماعية يفخر بها أي بلد ".


ويعدد البيان الخدمات والتشريعات والمؤسسات التي أنشئت والتي سوف تنشئ لتحقيق الاصلاح الشامل ومنها تخفيض أسعار الكهرباء و تنظيم العلاج بالخارج وضبط " انفاق أموال الدولة في الحدود المعقولة المقررة في الوجوه التي خصصت لها هذه الأموال ".

ويتحدث البيان عن المساواة وعن " اشراك ممثلي طوائف الشعب المختلفه في دراسة الشؤون العامة، والمداولة حول خير الوسائل لمعالجتها " ويشير البيان الي انتخابات مجلس بلدي - وهو بالمناسبة مطلب لم يتحقق منذ عام 1955م عندما أصدر المستشار الانجليزي " دستور بلدية الدوحة" ، وانشاء مجلس أعلي يمثل أهل الرأي في البلاد.


كل هذه الوعود وبعض الاصلاحات جاءت بفضل مطالبة ناصر المسند ورجالات قطر الكرام، هذا بينما هم يكابدون في السجن ويتعرضون للابعاد والتضييق. ولكن تلك هي سنة الحياة عندما يصحو ضمير رجالات أي بلد ويتحملون مسؤوليتهم الوطنية ، غير عابئين بمصالحهم الشخصية. انها ضريبة الوعي وصحوة الضمير يدفعها من هم علي مستوي المسؤولية ومن يتواصون بالحق وبالصبر.


وقد كان للأخ الكبير ناصر المسند ورفاقه من رجالات قطر فضل السبق في تحمل المسؤولية وكان عليهم تكبد المعاناة التي تبين لنا معادن الرجال. اننا اليوم ننعم ببعض نتائج الحركه الوطنية في الخمسينيات والستينيات وندين لناصر المسند بالجميل علي ما قدمه من تضحيةٍ وما تعرض له من تضييق وسجن حتي أصبح آخر المسجونين في عام 1964م، بعد أن توفي رفيقه حمد العطيه في السجن رحمه الله واسكنه فسيح جناته ، بقي ناصر وحيداً في سجنه مما اضطر قبيلة المهاندة الكرام وأهل الخور والذخيرة كلهم الي أن يهاجروا مع ناصر المسند الي الكويت عام 1964م بعد ان تعذر اطلاق سراحه أو تقديمه الي محاكمة عادلة.

رحم الله ناصر بن عبد الله المسند الذي غيّبه المرض عن الساحة الوطنية ربع قرن حتي اختاره الله الي جواره منذ أيام، وجعل من المعني العظيم الذي تركه لنا قيمة انسانية وتراثاً وطنياً نعض عليه بالنواجذ في وقت نحتاج فيه أن نعمل بما نعرف انه الحق وأن نقدم المصلحة العامة علي اعتباراتنا الشخصيه.

الدوحة نيسان 2007

الثلاثاء، 3 أبريل 2007

ناصر بن عبدالله انتهاء حقبة وبداية أخرى

بقلم / د. لولوة بنت عبدالله المسند ..   الرايه القطريه

من المفارقات الزمنية الغريبة أن ينتقل أخي ناصر بن عبدالله المسند إلي بارئه الأعلي ونحن عشية حالة انتخابية... انتخابات المجلس البلدي الثالثة ابريل 2007 إن رحيله يحكي إغلاق الستار عن حقبة تاريخية انتهت وأخري بدأت...

حقبه مملوءة بالحوادث والجدل الاجتماعي المختلف الرؤي والإجتهادات حول قضية أساسية هي مأسسة المجتمع إلي حقبة أصبحت فية هذه القضية من المسلمات الأساسية التي يطالب بها الحاكم قبل أن يطلبها المحكوم كتعبير لا جدال ولا جدل فيه عن المكانة التي تريدها قطر علي سلم التحضر الإنساني.... مفارقات طريفة وقد تكون مؤلمة أحيانا بين ابريل 1964 وابريل 2007.

ذلك الجدال والجدل الذي تبعته التضحيات كان ظاهرة طبيعية وصحية لمجتمع تحول لتوه من حالة البداوة إلي حالة التحضر ومن حالة القبيلة ككيان متناه المرونة إلي حالة الدويلة الناشئة بحزمة من المستلزمات الجديدة من جيش وقوة شرطة وإدارة بيروقراطية وافدة.

... ومن حالة الكفاف بعد سنوات من انهيار اقتصاد اللؤلؤ إلي حالة الوفرة التي بدأت منذ عقد اومايزيد عن ذلك بقليل ومن ثم إشكالية كفاءة إدارة هذه الوفرة.... ومن حالة الحماية الذاتية والانصهار الاجتماعي الذي لم تمسه يد منذ قرون إلي حالة الانكشاف الذي ولده اكتشاف النفط وبرزت به عناصر ومتغيرات وتحديات لم يكن المجتمع مهيأ لها من الأصل وهو في حالة النشوء لتكوين المجتمع المدني المعاصر.


صباح خريفي في الكويت من عام 1964... العام الدراسي قد بدأ منذ شهر أو شهرين وأنا أصرخ بأم رأسي أن لن أذهب إلي المدرسة حتي تأتيني أمي بثوب قصير... الأمس سخرت الفتيات من ثوبي الطويل وجدائلي ولهجتي الغريبة... أمي تنظر إلي وكأنه قد لبسني عفريت.. الحق أن كل ما حو لي غريب... وسؤال كبير يقرع كالمطارق في رأسي لم أنا هنا ؟؟

هجرة قبيلة المهاندة إلي الكويت خريف 1964 امتعاضا علي اعتقال ناصر بن عبدا لله علي اثر 35 مطلباً تقدمت بها لجنة الوحدة الوطنية للإصلاح الإداري في قطر. كان من الطبيعي أن أجد لدي ناصر العديد من الإجابات للأسئلة التي تدور في رأسي حول هذه النقلة المفاجئة التي كنت انظر إليها من زاويتي الطفولية البحتة ولكن كان لها الأثر الأكبر علي ماكان يدور في عالم الكبار.

أنا لا أكتب اليوم عن ناصر كردة فعل انفعالية شخصية لفقد غال رمز من رموز هذه الأسرة كنت انظر إليه ولا املك إلا الشعور بالعزة والافتخار كلما تحدث... برئ الأحلام.. طليق اللسان.. كاريزمي الشخصية بنمط قريب إلي النفس.. ربما شعر بها آخرون ممن عاشوا معه. إن هذا هاجسي الشخصي الذي ربما لا يهم القارئ. ولكني أكتب اليوم ونحن عشية الانتخابات البلدية للتوقف قليلا عند أهداف لجنة الوحدة الوطنية ربما لأن هناك شيئاً من اللغط والغلط الذي شاب بعض التحليلات التي دارت حول مطالب 1964 سواء كانت هذه التحليلات مدونة علي قلتها أو منقولة إخبارا شفويا من جيل لآخر..

بعد أشهر من البحث عن رقم هاتف ماكيرني المقيم السياسي البريطاني السابق في قطر الأعوام 63 و64 و65.... في شتاء 2001 اتصلت بالسيد ماكيرني أخيرا في رحلة لي إلي لندن أريد رؤيته للأسئلة عن ما دار في 1964. ردني بلهجة مؤدبة انه لم يعد يذكر وهو رجل قضي سبعين عاما من حياته المهنية في بقاع الدنيا متنقلا... قد تكون ذاكرة ماكيرني انطفأت أو قد يكون أراد إراحتها عمدا ولكن مراسلاته من قطر إلي وزارة الخارجية البريطانية التي كنت قد حصلت عليها قبل ذلك في السجلات البريطانية العامة قد سطرت وعبرت عن وجهة نظر خارجية حول رغبة الإصلاح والتطوير الإداري لمجموعة من الشباب القطري وعلي رأسهم ناصر بن عبدالله وصديقه الحبيب حمد بن عبدالله العطية...

خريف 1981 في فيلا الهرم بالقاهرة يريني نوته صغيرة بها أرقام وملاحظات.. النوتة لحمد طلبتها منه فرفض ضاحكا كيف أعطيك نوتة صديقي وأخي.. انه شيء خاص جدا.. نعم خصوصية العلاقة بين ناصر وحمد...

ناصر وحمد ربما مثلا الطبقه البرجوازية البازغة آنذاك كما تشير بعض التحليلات... الطبقه المتطلعة إلي التغيير وإرساء روح المنافسة المتكافئة في سوق الأعمال وان كان التجار علي اختلاف مشاربهم لم يجمعهم هم واحد.. اتحاد للتجار لم يكن مطلب التجار كمجموعه من جماعات الضغط أو لوبيا واحدا حيث كما هو حال البشر أراد القليل منهم المروق بانتهازيه للفرص المتاحة بالاستفادة من الأحداث وتجييرها لخدمته.


الأهم من ذلك أن أهداف لجنة الوحدة الوطنية لم يكن اقتلاع المجتمع من جذوره ومن سياقه وقيادته التاريخية كما يحب لتحليلات أخري أن تتصور ورد عليها في آنها وبعفوية صادقه عمير بن راشد آل عفيشه في قصيدة ألقاها علي مسامع الشيخ أحمد بن علي رحمة الله عليهما جميعا ثم سمح بنشرها بالكامل في السبعينيات الشيخ خليفة بن حمد أطال الله في عمره... عفوية عمير تعكس عفوية المجتمع بعيدا عن التحليلات المتكلفة سواء للمدارس الإجتماعيه المختلفة... أو للتحليلات الفردية النابعة من المصلحية المحضه. فالتشابكات العائلية في مجتمع صغير كالمجتمع القطري يصعب في الواقع تفكيكها وشطرها إلي طبقية واضحة أو إلي فرز صارم بين الحاكم والمحكوم أو حتي إلي صراع قبلي واضح المعالم.

إذا كان إنشاء مجلس بلدي منتخب وبلديات علي أسس حديثه وتقطير الوظائف واتاحةالفرص المتكافئة ورفع معدلات الأجور ووجود قانون للعمل وإدارة للشؤون الإجتماعية ووجود اتحاد للتجار واذاعة وتلفزيون وقضاء مستقل وغيرها من الطلبات التي تقدم بها ناصر المسند وحمد العطية وآخرون في ابريل 1964 وقدموا لها التضحيات حين كانت هذه الأدوات المجتمعية تعد في حكم المحرمات.

أرجو أن نكون أيضا علي قدر من الإخلاص في عدم تفريغ هذه الأدوات من مضامينها حين تأتينا علي طبق من الذهب...
رحمك الله يا ناصر والعزاء لنا جميعا

السبت، 17 فبراير 2001

دستور... يا جماعة

دستور... يا جماعة

د علي خليفة الكواري



أقول عفوا... أقول «دستور»... يا جماعة الخير.





ولا أقول «دستور»... يا أسيادنا،



لأن من أخاطبهم ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً من الجن.. وإنما خلقوا بشراً سوياً.



انهم بعض اخواننا الاعزاء في هيئة تحرير إحدى الجرائد، الذين طلعوا علينا بتساؤلات محبطة للآمال المعلقة على الدستور الدائم، الذي شكل الأمير لجنة حكومية من أجل اقتراح مسودة الدستور عليه.

إن تلك التساؤلات تنبئ عن سوء فهم ـ وحاشا أن أقول سوء قصد ـ لما يجب أن يقوم عليه الدستور القطري الدائم من مبادئ ديمقراطية طال انتظارها.



فمنذ صدور النظام الأساسي المؤقت عام 1970 وتعديله بالنظام الأساسي المؤقت المعدل عام 1972، وعد الشعب القطري بدستور دائم وفقا للمادة 70 التي نصت على ان «يوضع نظام أساسي دائم للدولة يحل محل النظام الأساسي المؤقت المعدل ويعمل به إثر فترة الانتقال».



وقد طالت فترة الانتقال حتى بلغت ثلاثين عاما وأهل قطر صابرون منتظرون، أولاً: لتفعيل النظام الأساسي المؤقت المعدل، ومنه على سبيل المثال ما ورد في ديباجته حول تشكيل مجلس شورى «بالانتخاب العام السري المباشر» بعد انتهاء مدة مجلس الشورى الأول المعين التي حدد لها عام واحد فقط. وثانياً: مترقبون لليوم الذي يدعون فيه مثلما دعي شعب الكويت عام 1962 وشعب البحرين عام 1972 إلى انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً ديمقراطياً للبلاد من أجل تطبيق ما نصت عليه المادة الأولى من النظام الأساسي المؤقت المعدل من أن دولة قطر «نظامها ديمقراطي». وكذلك ما نصت عليه الفقرة (د) من المادة 5 بصدد المبادئ السياسية على ان «توجه الدولة عنايتها في كل المجالات لارساء الأسس الصالحة لترسيخ دعائم الديمقراطية الصحيحة، واقامة نظام حكم إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين، ويؤمن الاحترام للنظام العام ويصون أمن الوطن واستقراره ومصالحه العليا».



الدستور الديمقراطي من هنا فإن شعب قطر المتطلع للمشاركة السياسية الفعالة في اتخاذ القرارات العامة وتحديد الخيارات الوطنية المؤثرة في مصيره ومستقبل أجياله، ينتظر من الدستور الدائم ان يكون دستوراً ديمقراطياً يضع أسس النظام الديمقراطي ويرسخ دعائم الديمقراطية الصحيحة التي وعد بها النظام الأساسي المؤقت المعدل.



وجدير بالتأكيد ان الدستور الديمقراطي يجب ان يقوم على مبادئ ويقيم مؤسسات ويفعل آليات ويوفر ضمانات ديمقراطية، كما يجب ان يكون الدستور الديمقراطي عقدا مجتمعيا متجددا في اطار عقيدة المجتمع وهويته، يشارك في مناقشته أفراد الشعب وجماعاته، ويتم وضعه وإقراره من قبل جمعية تأسيسية منتخبة. وفي هذا الصدد يختلف الدستور الديمقراطي عن الدستور غير الديمقراطي من حيث الشكل والمضمون.



فمن حيث الشكل هو عقد مجتمعي تضعه وتقره جمعية تأسيسية منتخبة وليس منحة ظاهرة أو مبطنة بالاستفتاءات.



وما نعرفه عن الاستفتاءات في الدول العربية من سوء سمعة يجعلنا نحترم دستور المنحة الظاهرة ـ من دون أن نقبله أو نفضله ـ لما فيه من صدق بصرف النظر عن مدى رضانا عن مضمونه.





أما من حيث المضمون فالدستور الديمقراطي يجب ان يلتزم بمبادئ ومؤسسات وآليات وضمانات ديمقراطية ويقوم على أساس مبادئ المواطنة المتساوية والشعب مصدر السلطات، ويرسي أسس حرية التعبير والتنظيم لتنمية الرأي العام المستنير وتحقيق مشاركة سياسية فعالة، كما يؤسس قيم الديمقراطية في الثقافة والمجتمع ويجعل من الديمقراطية قيمة ومعياراً للسلوك الاجتماعي، ولذلك فإن الحد الأدنى العام المشترك في جميع الدساتير الديمقراطية يتمثل في خمسة مبادئ: أولها: الشعب مصدر السلطات. ثانيها: حكم القانون. ثالثها: الفصل بين السلطات. رابعها: حرية التعبير والتنظيم. خامسها: تداول السلطة التنفيذية والتشريعية في النظام الجمهوري وفي الملكية الدستورية عن طريق الانتخابات.



لماذا العتب...؟



إن أول ما كان يجب على هيئة تحرير الجريدة الموقرة، عند تصدّيها لاجراء حوار حول قضية جادة ومهمة ومصيرية مثل الدستور الدائم، هو استيعابها أولا ومراعاتها ثانيا للحد الأدنى من المبادئ والمؤسسات والآليات والضمانات الديمقراطية التي يجب ان يلتزم بها الدستور الدائم، تحقيقا للمكتسبات التي نص عليها النظام الأساسي المؤقت المعدل والوعود التي قطعها النظام السياسي على نفسه. فذلك خط دستوري أحمر لا يجوز دستوريا النزول عن مستوى الحقوق والضمانات التي ترتبت عليه. وكذلك فإن الدستور الدائم عليه ان يضاهي ما جاء به دستور الكويت لعام 1962 ودستور البحرين لعام 1972 الذي سوف يجري العمل به طال الزمن أو قصر، من مكاسب ديمقراطية لشعوب المنطقة. فهذان الدستوران يقومان على أساس ان الشعب مصدر السلطات، وتمت مناقشتهما واقرارهما من قبل جمعيات تأسيسية منتخبة، وهذا اضافة الى تأسيسهما على الحد الأدنى من مبادئ الدستور الديمقراطي التي سبقت الاشارة اليها.



أليس شعب قطر الواثق في الوعد المنتظر لاستحقاق الدستور الديمقراطي منذ ثلاثين عاما ـ يا جماعة الخير ـ مستحقا بعد، لأن يشارك في وضع الدستور ويقوم بمناقشته وإقراره من قبل جمعية تأسيسية منتخبة تمثل افراده وجماعاته في هذا العقد الاجتماعي، كي يكون الدستور عقداً مجتمعياً ملزماً للجميع ينظم علاقتهم بالدولة باعتبارها مؤسسة ودولة مؤسسات تقف من الجميع على مسافة واحدة باعتبارهم مواطنين «متساوين في الحقوق والواجبات العامة. وذلك من دون تمييز بينهم..» وفقا لما جاء في المادة 9 من النظام الأساسي المؤقت المعدل؟



تساؤلات محبطة بعد هذا العتب ـ والعتب يأتي على قدر المحبة ـ دعونا نقف معا على بعض تلك الأسئلة المحبطة لاستحقاق الديمقراطية في وطننا الحبيب، والتي طرحت عليّ في سياق استطلاع حول «الدستور الدائم»، وكان لها الفضل في استفزاز وتحفيز اجابتي المطولة هذه:



يقول السؤال الثالث: «هل تحبذ أن يكون البرلمان المرتقب كله بالانتخاب أو المزاوجة بين الانتخاب والتعيين؟». والاجابة: اذا كان مجلس الشورى يجب ان يكون بالانتخاب منذ 29 عاماً فكيف يخطر في البال الأخذ بالتعيين في البرلمان الجديد. كما ان تعيين أعضاء السلطة التشريعية يخل بمبدأ «الشعب مصدر السلطات» ومبدأ «تداول السلطة عن طريق الانتخاب» وهذان مبدآن من مبادئ الدستور الديمقراطي.



يقول السؤال الرابع: «هل تؤيد فكرة الاستجواب وطرح الثقة في الوزراء من قبل البرلمان كنوع من أنواع الرقابة من قبل السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية؟». وهذا السؤال مع الأسف يوحي بأن السلطة التشريعية في الدستور الجديد قد تحرم من حق مراقبة السلطة التنفيذية، وكما هو معلوم فإن مبدأ الفصل بين السلطات ومراقبة بعضها بعضا يقتضي ان يراقب البرلمان السلطة التنفيذية والمال ويقيم اداءها، ويستجوب كما يمنح الثقة أو يسحبها من الحكومة كلها وليس الوزراء فقط.



يقول السؤال الخامس: «هل تحبذ تسمية البرلمان «مجلس شورى» أو «المجلس الوطني» أو «مجلس نواب»، وهل يعطي المجلس سلطة التشريع وسن القوانين في صورة نافذة وليست توجيهات؟». وهذا سؤال ملغوم، شطره الأول شكلي وشطره الثاني في المضمون. أما التسمية فليست مهمة في حد ذاتها، المهم ان يكون المجلس لديه حق التشريع من منطلق ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، هذا اضافة الى مراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها وطرح الثقة بها، كما يجب ان تكون له رقابة على موارد الدولة ومصروفاتها واحتياطاتها والأملاك العامة عن طريق تبعية ديوان المحاسبة له وحقه في إقرار مراقبة الميزانية العامة بكل أبوابها وبنودها وكذلك الحسابات الختامية للدولة واحتياطاتها العامة. أما الشطر الثاني من السؤال فإنه يتعارض مع جوهر وظيفة المجلس التشريعي فإذا كان ليس من حق المجلس ان يشرع ويسن القوانين التي يصادق عليها رئيس الدولة وفقا للدستور، فما هي وظيفته إذاً؟



السؤال السادس: «هل تؤيد فكرة اعطاء المتجنسين حق التشريع مثل المواطن الأصلي أم لا بد من مرور مدة معينة على تجنيسه أو حرمانه من الترشيح بصورة أبدية واعطائه حق الانتخاب...؟». وهذا سؤال ينبئ عن إنكار لمبدأ المواطنة المتساوية الذي يعتبر حجر الأساس في نظام الحكم الديمقراطي. المهم ان يكون المرء مكتسباً للجنسية وفقاً للنظام الأساسي وقانون الجنسية. أما أي تمييز بين المواطنين فإنه يخل بجوهر الدستور الديمقراطي بل يتعارض مع النظام الأساسي المؤقت المعدل نفسه.



السؤال السابع: «هل تؤيد فكرة انشاء نقابات وجمعيات كنوع من الحرية واستبعاد فكرة الحزب السياسي...؟». وهذا سؤال فيه إخلال بمبدأ حرية التعبير والتنظيم وتداول السلطة فإذا لم تكن هناك مؤسسات مكتملة ومتكاملة للمجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات نفع عام فكيف يطبق مبدأ حرية التعبير والتنظيم وكيف يتم بناء الرأي العام المستنير وتتداول السلطة سلمياً بناء على برامج وأهداف تطرحها الأحزاب على الشعب من أجل تفويضها لتولي السلطة؟!



الثقة والأمل أولى من الاحباط الثقة بتوجيهات الأمير والثقة بحسه التاريخي والشعبي يجعل الأمل لدى أهل قطر الصابرين الواثقين، أولى من الاحباط، كما ان المكتسبات التي جاء بها النظام الأساسي، التي لم توضع كلها ـ مع الأسف ـ موضع التطبيق، إضافة الى ما تحقق من انجازات ديمقراطية لشعوب المنطقة ببروز دستوري الكويت والبحرين.. كلها تجعلنا ننتظر بصبر ونتطلع الى استحقاق الدستور الديمقراطي الذي وعدنا به، في الدستور الدائم، وان أملنا عظيم في ان تسفر عملية التحول من النظام الأساسي المؤقت المعدل الحالي الى الدستور الدائم عن مشاركة شعبية فعالة في وضع الدستور الدائم ومناقشته واقراره من قبل جمعية تأسيسية منتخبة ليأتي مؤسساً على مبادئ الدستور الديمقراطي.



ولتكن فترة السنوات الثلاث التي حددت للجنة الحكومية من أجل اقتراح مسودة الدستور على الأمير فرصة لنا جميعاً، أميراً وحكومة وشعباً لأن نجري حواراً وطنياً مسؤولاً، وان نفتح ونكرس قنوات علنية للتعبير الحر ونؤسس نواة مجتمع مدني مكتمل ومتكامل بتنظيماته السياسية والنقابية والمهنية وجمعياته الثقافية والاجتماعية والخيرية، حتى تبدأ إن شاء الله ممارستنا الديمقراطية في ظل دستور ديمقراطي دائم وعقد مجتمعي متجدد نضاهي به دول المنطقة والدول العربية والاسلامية. والله من وراء القصد.



* أكاديمي ومفكر قطري