بقلم / د. لولوة بنت عبدالله المسند .. الرايه القطريه
من المفارقات الزمنية الغريبة أن ينتقل أخي ناصر بن عبدالله المسند إلي بارئه الأعلي ونحن عشية حالة انتخابية... انتخابات المجلس البلدي الثالثة ابريل 2007 إن رحيله يحكي إغلاق الستار عن حقبة تاريخية انتهت وأخري بدأت...
حقبه مملوءة بالحوادث والجدل الاجتماعي المختلف الرؤي والإجتهادات حول قضية أساسية هي مأسسة المجتمع إلي حقبة أصبحت فية هذه القضية من المسلمات الأساسية التي يطالب بها الحاكم قبل أن يطلبها المحكوم كتعبير لا جدال ولا جدل فيه عن المكانة التي تريدها قطر علي سلم التحضر الإنساني.... مفارقات طريفة وقد تكون مؤلمة أحيانا بين ابريل 1964 وابريل 2007.
ذلك الجدال والجدل الذي تبعته التضحيات كان ظاهرة طبيعية وصحية لمجتمع تحول لتوه من حالة البداوة إلي حالة التحضر ومن حالة القبيلة ككيان متناه المرونة إلي حالة الدويلة الناشئة بحزمة من المستلزمات الجديدة من جيش وقوة شرطة وإدارة بيروقراطية وافدة.
... ومن حالة الكفاف بعد سنوات من انهيار اقتصاد اللؤلؤ إلي حالة الوفرة التي بدأت منذ عقد اومايزيد عن ذلك بقليل ومن ثم إشكالية كفاءة إدارة هذه الوفرة.... ومن حالة الحماية الذاتية والانصهار الاجتماعي الذي لم تمسه يد منذ قرون إلي حالة الانكشاف الذي ولده اكتشاف النفط وبرزت به عناصر ومتغيرات وتحديات لم يكن المجتمع مهيأ لها من الأصل وهو في حالة النشوء لتكوين المجتمع المدني المعاصر.
صباح خريفي في الكويت من عام 1964... العام الدراسي قد بدأ منذ شهر أو شهرين وأنا أصرخ بأم رأسي أن لن أذهب إلي المدرسة حتي تأتيني أمي بثوب قصير... الأمس سخرت الفتيات من ثوبي الطويل وجدائلي ولهجتي الغريبة... أمي تنظر إلي وكأنه قد لبسني عفريت.. الحق أن كل ما حو لي غريب... وسؤال كبير يقرع كالمطارق في رأسي لم أنا هنا ؟؟
هجرة قبيلة المهاندة إلي الكويت خريف 1964 امتعاضا علي اعتقال ناصر بن عبدا لله علي اثر 35 مطلباً تقدمت بها لجنة الوحدة الوطنية للإصلاح الإداري في قطر. كان من الطبيعي أن أجد لدي ناصر العديد من الإجابات للأسئلة التي تدور في رأسي حول هذه النقلة المفاجئة التي كنت انظر إليها من زاويتي الطفولية البحتة ولكن كان لها الأثر الأكبر علي ماكان يدور في عالم الكبار.
أنا لا أكتب اليوم عن ناصر كردة فعل انفعالية شخصية لفقد غال رمز من رموز هذه الأسرة كنت انظر إليه ولا املك إلا الشعور بالعزة والافتخار كلما تحدث... برئ الأحلام.. طليق اللسان.. كاريزمي الشخصية بنمط قريب إلي النفس.. ربما شعر بها آخرون ممن عاشوا معه. إن هذا هاجسي الشخصي الذي ربما لا يهم القارئ. ولكني أكتب اليوم ونحن عشية الانتخابات البلدية للتوقف قليلا عند أهداف لجنة الوحدة الوطنية ربما لأن هناك شيئاً من اللغط والغلط الذي شاب بعض التحليلات التي دارت حول مطالب 1964 سواء كانت هذه التحليلات مدونة علي قلتها أو منقولة إخبارا شفويا من جيل لآخر..
بعد أشهر من البحث عن رقم هاتف ماكيرني المقيم السياسي البريطاني السابق في قطر الأعوام 63 و64 و65.... في شتاء 2001 اتصلت بالسيد ماكيرني أخيرا في رحلة لي إلي لندن أريد رؤيته للأسئلة عن ما دار في 1964. ردني بلهجة مؤدبة انه لم يعد يذكر وهو رجل قضي سبعين عاما من حياته المهنية في بقاع الدنيا متنقلا... قد تكون ذاكرة ماكيرني انطفأت أو قد يكون أراد إراحتها عمدا ولكن مراسلاته من قطر إلي وزارة الخارجية البريطانية التي كنت قد حصلت عليها قبل ذلك في السجلات البريطانية العامة قد سطرت وعبرت عن وجهة نظر خارجية حول رغبة الإصلاح والتطوير الإداري لمجموعة من الشباب القطري وعلي رأسهم ناصر بن عبدالله وصديقه الحبيب حمد بن عبدالله العطية...
خريف 1981 في فيلا الهرم بالقاهرة يريني نوته صغيرة بها أرقام وملاحظات.. النوتة لحمد طلبتها منه فرفض ضاحكا كيف أعطيك نوتة صديقي وأخي.. انه شيء خاص جدا.. نعم خصوصية العلاقة بين ناصر وحمد...
ناصر وحمد ربما مثلا الطبقه البرجوازية البازغة آنذاك كما تشير بعض التحليلات... الطبقه المتطلعة إلي التغيير وإرساء روح المنافسة المتكافئة في سوق الأعمال وان كان التجار علي اختلاف مشاربهم لم يجمعهم هم واحد.. اتحاد للتجار لم يكن مطلب التجار كمجموعه من جماعات الضغط أو لوبيا واحدا حيث كما هو حال البشر أراد القليل منهم المروق بانتهازيه للفرص المتاحة بالاستفادة من الأحداث وتجييرها لخدمته.
الأهم من ذلك أن أهداف لجنة الوحدة الوطنية لم يكن اقتلاع المجتمع من جذوره ومن سياقه وقيادته التاريخية كما يحب لتحليلات أخري أن تتصور ورد عليها في آنها وبعفوية صادقه عمير بن راشد آل عفيشه في قصيدة ألقاها علي مسامع الشيخ أحمد بن علي رحمة الله عليهما جميعا ثم سمح بنشرها بالكامل في السبعينيات الشيخ خليفة بن حمد أطال الله في عمره... عفوية عمير تعكس عفوية المجتمع بعيدا عن التحليلات المتكلفة سواء للمدارس الإجتماعيه المختلفة... أو للتحليلات الفردية النابعة من المصلحية المحضه. فالتشابكات العائلية في مجتمع صغير كالمجتمع القطري يصعب في الواقع تفكيكها وشطرها إلي طبقية واضحة أو إلي فرز صارم بين الحاكم والمحكوم أو حتي إلي صراع قبلي واضح المعالم.
إذا كان إنشاء مجلس بلدي منتخب وبلديات علي أسس حديثه وتقطير الوظائف واتاحةالفرص المتكافئة ورفع معدلات الأجور ووجود قانون للعمل وإدارة للشؤون الإجتماعية ووجود اتحاد للتجار واذاعة وتلفزيون وقضاء مستقل وغيرها من الطلبات التي تقدم بها ناصر المسند وحمد العطية وآخرون في ابريل 1964 وقدموا لها التضحيات حين كانت هذه الأدوات المجتمعية تعد في حكم المحرمات.
أرجو أن نكون أيضا علي قدر من الإخلاص في عدم تفريغ هذه الأدوات من مضامينها حين تأتينا علي طبق من الذهب...
رحمك الله يا ناصر والعزاء لنا جميعا
من المفارقات الزمنية الغريبة أن ينتقل أخي ناصر بن عبدالله المسند إلي بارئه الأعلي ونحن عشية حالة انتخابية... انتخابات المجلس البلدي الثالثة ابريل 2007 إن رحيله يحكي إغلاق الستار عن حقبة تاريخية انتهت وأخري بدأت...
حقبه مملوءة بالحوادث والجدل الاجتماعي المختلف الرؤي والإجتهادات حول قضية أساسية هي مأسسة المجتمع إلي حقبة أصبحت فية هذه القضية من المسلمات الأساسية التي يطالب بها الحاكم قبل أن يطلبها المحكوم كتعبير لا جدال ولا جدل فيه عن المكانة التي تريدها قطر علي سلم التحضر الإنساني.... مفارقات طريفة وقد تكون مؤلمة أحيانا بين ابريل 1964 وابريل 2007.
ذلك الجدال والجدل الذي تبعته التضحيات كان ظاهرة طبيعية وصحية لمجتمع تحول لتوه من حالة البداوة إلي حالة التحضر ومن حالة القبيلة ككيان متناه المرونة إلي حالة الدويلة الناشئة بحزمة من المستلزمات الجديدة من جيش وقوة شرطة وإدارة بيروقراطية وافدة.
... ومن حالة الكفاف بعد سنوات من انهيار اقتصاد اللؤلؤ إلي حالة الوفرة التي بدأت منذ عقد اومايزيد عن ذلك بقليل ومن ثم إشكالية كفاءة إدارة هذه الوفرة.... ومن حالة الحماية الذاتية والانصهار الاجتماعي الذي لم تمسه يد منذ قرون إلي حالة الانكشاف الذي ولده اكتشاف النفط وبرزت به عناصر ومتغيرات وتحديات لم يكن المجتمع مهيأ لها من الأصل وهو في حالة النشوء لتكوين المجتمع المدني المعاصر.
صباح خريفي في الكويت من عام 1964... العام الدراسي قد بدأ منذ شهر أو شهرين وأنا أصرخ بأم رأسي أن لن أذهب إلي المدرسة حتي تأتيني أمي بثوب قصير... الأمس سخرت الفتيات من ثوبي الطويل وجدائلي ولهجتي الغريبة... أمي تنظر إلي وكأنه قد لبسني عفريت.. الحق أن كل ما حو لي غريب... وسؤال كبير يقرع كالمطارق في رأسي لم أنا هنا ؟؟
هجرة قبيلة المهاندة إلي الكويت خريف 1964 امتعاضا علي اعتقال ناصر بن عبدا لله علي اثر 35 مطلباً تقدمت بها لجنة الوحدة الوطنية للإصلاح الإداري في قطر. كان من الطبيعي أن أجد لدي ناصر العديد من الإجابات للأسئلة التي تدور في رأسي حول هذه النقلة المفاجئة التي كنت انظر إليها من زاويتي الطفولية البحتة ولكن كان لها الأثر الأكبر علي ماكان يدور في عالم الكبار.
أنا لا أكتب اليوم عن ناصر كردة فعل انفعالية شخصية لفقد غال رمز من رموز هذه الأسرة كنت انظر إليه ولا املك إلا الشعور بالعزة والافتخار كلما تحدث... برئ الأحلام.. طليق اللسان.. كاريزمي الشخصية بنمط قريب إلي النفس.. ربما شعر بها آخرون ممن عاشوا معه. إن هذا هاجسي الشخصي الذي ربما لا يهم القارئ. ولكني أكتب اليوم ونحن عشية الانتخابات البلدية للتوقف قليلا عند أهداف لجنة الوحدة الوطنية ربما لأن هناك شيئاً من اللغط والغلط الذي شاب بعض التحليلات التي دارت حول مطالب 1964 سواء كانت هذه التحليلات مدونة علي قلتها أو منقولة إخبارا شفويا من جيل لآخر..
بعد أشهر من البحث عن رقم هاتف ماكيرني المقيم السياسي البريطاني السابق في قطر الأعوام 63 و64 و65.... في شتاء 2001 اتصلت بالسيد ماكيرني أخيرا في رحلة لي إلي لندن أريد رؤيته للأسئلة عن ما دار في 1964. ردني بلهجة مؤدبة انه لم يعد يذكر وهو رجل قضي سبعين عاما من حياته المهنية في بقاع الدنيا متنقلا... قد تكون ذاكرة ماكيرني انطفأت أو قد يكون أراد إراحتها عمدا ولكن مراسلاته من قطر إلي وزارة الخارجية البريطانية التي كنت قد حصلت عليها قبل ذلك في السجلات البريطانية العامة قد سطرت وعبرت عن وجهة نظر خارجية حول رغبة الإصلاح والتطوير الإداري لمجموعة من الشباب القطري وعلي رأسهم ناصر بن عبدالله وصديقه الحبيب حمد بن عبدالله العطية...
خريف 1981 في فيلا الهرم بالقاهرة يريني نوته صغيرة بها أرقام وملاحظات.. النوتة لحمد طلبتها منه فرفض ضاحكا كيف أعطيك نوتة صديقي وأخي.. انه شيء خاص جدا.. نعم خصوصية العلاقة بين ناصر وحمد...
ناصر وحمد ربما مثلا الطبقه البرجوازية البازغة آنذاك كما تشير بعض التحليلات... الطبقه المتطلعة إلي التغيير وإرساء روح المنافسة المتكافئة في سوق الأعمال وان كان التجار علي اختلاف مشاربهم لم يجمعهم هم واحد.. اتحاد للتجار لم يكن مطلب التجار كمجموعه من جماعات الضغط أو لوبيا واحدا حيث كما هو حال البشر أراد القليل منهم المروق بانتهازيه للفرص المتاحة بالاستفادة من الأحداث وتجييرها لخدمته.
الأهم من ذلك أن أهداف لجنة الوحدة الوطنية لم يكن اقتلاع المجتمع من جذوره ومن سياقه وقيادته التاريخية كما يحب لتحليلات أخري أن تتصور ورد عليها في آنها وبعفوية صادقه عمير بن راشد آل عفيشه في قصيدة ألقاها علي مسامع الشيخ أحمد بن علي رحمة الله عليهما جميعا ثم سمح بنشرها بالكامل في السبعينيات الشيخ خليفة بن حمد أطال الله في عمره... عفوية عمير تعكس عفوية المجتمع بعيدا عن التحليلات المتكلفة سواء للمدارس الإجتماعيه المختلفة... أو للتحليلات الفردية النابعة من المصلحية المحضه. فالتشابكات العائلية في مجتمع صغير كالمجتمع القطري يصعب في الواقع تفكيكها وشطرها إلي طبقية واضحة أو إلي فرز صارم بين الحاكم والمحكوم أو حتي إلي صراع قبلي واضح المعالم.
إذا كان إنشاء مجلس بلدي منتخب وبلديات علي أسس حديثه وتقطير الوظائف واتاحةالفرص المتكافئة ورفع معدلات الأجور ووجود قانون للعمل وإدارة للشؤون الإجتماعية ووجود اتحاد للتجار واذاعة وتلفزيون وقضاء مستقل وغيرها من الطلبات التي تقدم بها ناصر المسند وحمد العطية وآخرون في ابريل 1964 وقدموا لها التضحيات حين كانت هذه الأدوات المجتمعية تعد في حكم المحرمات.
أرجو أن نكون أيضا علي قدر من الإخلاص في عدم تفريغ هذه الأدوات من مضامينها حين تأتينا علي طبق من الذهب...
رحمك الله يا ناصر والعزاء لنا جميعا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق